أخبار عاجلة

ظاهرة التضخم الاقتصادي.. رصد أسامة السعدوني للعصر المملوكي

عرض/ أبو الحسن الجمال

كاتب ومؤرخ مصري

ولج الدكتور أسامة السعدوني مجال التاريخ وتخصص فيه عن حب واقتناع، فقد تخرج في كلية التجارة، ثم خدم بالقوات المسلحة ضابطاً احتياطياً مدة ثلاث سنوات، ثم عمل محاسباً بديوان عام وزارة الكهرباء، ولكن الحنين شده لترجمة هذا الحب إلى دراسة التاريخ، فيمم شطره إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، ليدرس كل العلوم التي تخدّم على التاريخ، إضافة إلى خلفية دراسته للسياسة والاقتصاد ومعرفة المذاهب الاقتصادية والسياسية في كلية التجارة، وعقب تخرجه في دار العلوم تجمع له زاد وفير، وصمم أن يكمل دراسته العليا رغم الأعباء المعيشية- في المجال الذي غلب على ذاته، فحصل على الماجستير، ثم على الدكتوراه من دار العلوم بالقاهرة بمرتبة الشرف الأولى وموضوعها عن ظاهرة التضخم في دولتي المماليك البحرية والبرجية في فترة زمنية اشتغرقت قرنين ونصف من الزمان (648-923هـ/1250-1517م) هي عمر هذه الدولة التي بدأت قوية فتية قضت على الوجود الصليبي ودحرت التتار ودحرت جحافله الجرارة في معركة عين جالوت ثم أصابها ما يصيب الدول التي تبدأ قوية ثم يأتي عليها حين من الدهر يصيبها الضعف إلى أن تزول تماماً وتحل محلها قوة أخرى.
وتتصدى الدراسة التي نحن بصددها- والتي صرت مؤخراً عن هيئة الكتاب برئاسة الدكتور هيثم الحاج علي- إلى الكشف عن ثروة علمية وفكرية ذات قيمة عالية تؤكد اهتمام العلماء المسلمين منذ قرون بظاهرة التضخم أو الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار، ومن هؤلاء العلماء شيخ مؤرخي مصر الإسلامية أحمد بن علي المقريزي (ت845-1441م) فقد كان مفكراً اقتصادياً من طراز فريدة إلى جانب تخصصه الرفيع في تاريخ مصر الإسلامية، ونجد صدى لاهتماماته الاقتصادية في كتبه الأربعة: إغاثة الأمة، والخطط، وشذور العقود، وفي السلوك. وقد قدم دراسة واسعة مستفيضة لظاهرة التضخم آنذاك، وفي كتابه “إغاثة الأمة” نظر لظاهرة التضخم، وفي الخطط تتبع آثارها على قطاعات الاقتصاد المختلفة: قطاع الزراعة، وقطاع الصناعة، وقطاع التجارة، وقطاع الإنشاءات والعمران، والسلوك الاستهلاكي والترفي …إلخ. ثم في شذور العقود فصل وسائل معالجة الظاهرة والحد منها، ثم عاد وتناول هذه المعالجة الشاملة للتضخم في “السلوك”، واستطاع بمنهجية دقيقة أن يستخلص حقائق هذه الظاهرة فيما يشبه القانون الاقتصادي الحاكم لظاهرة التضخم.
ويذكر الدكتور فياض عبد المنعم حسانين، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، والذي أشرف على الرسالة وقدم لها عند طباعتها كتاب- أن المقريزي استطاع في كتبه أن يفحص ويدرس ويحلل ويفسر، ثم يصيغ العلاقة السببية الحاكمة للظاهرة الاقتصادية، وهي التضخم، مستنتجاً أعلى منتجات العلم الاقتصادي، وهو القانون الاقتصادي الحاكم للظاهرة الاقتصادية، كما نعلم فإن علم الاقتصاد كعلم اجتماعي قوانينه محصورة في عدد قليل من القوانين، والتوصل إلى قانون اقتصادي يحكم ظاهرة اقتصادية يعد من أرفع المستويات العلمية لإسهامات علماء الاقتصاد القلالئل عبر تاريخ علم الاقتصاد.
وقد أثنى أستاذته على هذه الدراسة الفريدة التي تهيب قسم التاريخ والحضارة الإسلامية على الموافقة على البحث في هذه الظاهرة، لأنه موضوع جديد على الدراسات التاريخية بدار العلوم، ولولا مثابرة الباحث وامتلاكه أدواته وصبره وتحمله المشاق لم يكن ليتوصل إلى هذه النتائج الباهرة، وفي هذا يقول د. فياض: “ولا شك فإن هذه الدراسة في التطور الاقتصادي في مصر في حقبة هامة من تاريخها يفيد إفادة كبيرة في تأسيس دراسات أخرى في التطور الاقتصادي لمصر من جهة، وهي دراسات هامة لأنها تتبع أي ظاهرة اقتصادية على مدى زمني ممتد يعطي مصداقية عالية لنتائج الدراسة، ومن جهة أخرى، فإن نتائج دراسات المقريزي حول ظاهرة التضخم الاقتصادي، وما اعتمد عليه من بيانات ومعلومات وما رصده من آثار ونتائج تنبني عليها الدراسات الحديثة التي تتناول هذه الظاهرة، ومن الممكن أن تجرى دراسات مقارنة للظاهرة بين العهدين، أي التضخم في عصر المقريزي، والتضخم في الوقت الحاضر، ونستنتج من ذلك مدى استقرار العلاقة السببية لمتغيرات الظاهرة، أو مدى حدوث بعض التغبرات في سلوك محددات الظاهرة.
وقدم الدكتور أسامة السعدوني في كتابه توصيفاً لظاهرة في الفترات التي بدت فيها واضحة في العصر المملوكي، وذلك بالربط بين جمع النصوص المجملة في المصادر التي صرحت بالظاهرة والموافقة لصريح ما جاء في علم الاقتصاد الحديث، وجمع وحصر وجدولة وتمثيل مادة أسعار السلع وأسعار الصرف، وإشارات انخفاض قيمة العملة وانخفاض قوتها الشرائية، وتوضيح وجوه الظاهرة المختلفة ومؤشراتها، ثم حلل المؤلف هذه المادة وهذه المخرجات وقارن بينها ليصل البحث إلى نتيجة تاريخية علمية دقيقة.
وقد قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة، وتمهيد وثلاثة فصول وملاحق وقائمة بالمصادر والمراجع، وفي المقدمة قدم فيها دراسة تحليلة لأهم المصادر التي اعتمد عليها ومعظمها لشيخ مؤرخي مصر الإسلامية تقي الدين أحمد بن علي المقريزي وهي: إغاثة الأمة، والسلوك لمعرفة دول الملوك، وشذور العقود في ذكر النقود، والخطط المقريزية، ثم كتب: التيسير والاعتبار للأسدي، وتاريخ ابن حجي.
وفي التمهيد تحدث عن الحالة الاقتصادية والنظام النقدي لدولة سلاطين المماليك التي عاشت مصر والشام وبلاد الحجاز أكثر من قرنين ونصف (648-923هـ)، وعزى الكؤلف قوة المماليك إلى اعتمادها على قوتين عظيمتين، الأولى هي القوة العسكرية، والثانية هي القوة الاقتصادية، فالقوة العسكرية كانت سببا في الحفاظ على هيبتها، والقوة الاقتصادية هي التي مكنتها من البقاء لفترة أطول وتركت آثاراً تدل على عظمتها..
وفي الفصل الأول تناول أسباب ظاهرة التضخم في العصر المملوكي فتناول الأسباب الطبيعية ثم الأسباب الموضوعية، وفي الفصل الثاني تناول التحليل الاقتصادي لظاهرة التضخم ومؤشراتها في عصر المماليك البحرية ثم في عصر المماليك الجراكسة، وفي الفصل الثالث تناول آثار ظاهرة التضخم والآثار المترتبة على الظاهرة، كما تحدث عن إجراءات الدولة في مواجهة الظاهرة، ثم ختم الكتاب بالملاحق والفهارس الفنية.

جريدة القاهرة