أخبار عاجلة

ننشر قصة “مرثية عشق” للكاتب محمد حامد

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب، قصة “مرثية عشق”، للكاتب الشاب محمد حامد.

«مرثية عشق»

نسج الليل خيوطه السوداء المعتمة في الأفق، ولا تزال الأفكار تتصارع في رأسه منذ جلوسه على هذه الطاولة، فقد حاول بشتى الطرق الوصول إلى حل لإخماد هذا الصراع ولكن دون جدوى، في لحظة يعقد العزم على إنهاء الأمر وإخبارها بكل شيء، وفي اللحظة التي تليها مباشرة يتراجع عن قراره ويعود لنقطة البداية مرة أخرى ويتوه وسط زحمة أفكاره وقلة حيلته.
ارتشف أول رشفة من فنجان قهوته التي أصبحت باردة ولم ينتبه لها بسبب شروده، وأشعل سيجارته وأخذ ينفث منها بعض الدخان لعله يجد سبيلا للخروج من هذه المتاهة التي سقط فيها، فقطعت حبال أفكاره حينما رآها تدخل من باب “الكافيه”، فلمعت عيناه، وارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، وتسرب الفرح إلى قلبه، فهذا هو شعوره حين رؤيتها، وكأنها هي فقط من تحمل رحيق السعادة في هذا العالم الحزين.
دفن سيجارته في المطفأة الزجاجية وارتشف آخر رشفة من فنجان قهوته ودفع ثمن فنجان القهوة إلى النادل، وسار بخطواتٍ مضطربة إلى طاولتها، وهي تطالع إحدى مجلات الموضة، فاستجمع شجاعته وطلب منها أن تسمح له ببضع دقائق قليلة من وقتها، ولم ينتظر جوابها فجلس قبالتها وسط نظرات غريبة من المحيطين به لكنه لم يكترث لهم وتجاهلهم تمامًا كما كانوا يتجاهلونه في السابق، وحاول إخفاء التوتر الذي يحاصره من كل جانب، والتغلب على لسانه الذي لا يريد إخراج كلمة واحدة من فمه وكأنه قد أصابه الخرس.
قص عليها كل شيء منذ البداية وأنه مغرم بها منذ أول مرة رآها فيها، وأنه لا يريد سواها في هذه الحياة على الرغم من الفوارق الكبيرة في المستوى الاجتماعي بينهما، وأنه لا يأتي إلى هذا المكان إلا لينعم برؤيتها في صمت ويغادر بعد بضع لحظات من مغادرتها، ولكنه لم يستطع تحمل نيران الحب فأراد إخبارها بذلك على الرغم من أنها لا تعيره أي اهتمام، لكنه رغم ذلك لا يستطيع نزعها من قلبه، فهذا شيء شبه مستحيل بالنسبة له.
تنفس الصعداء بعدما أفرغ كل ما في جعبته من كلمات، الكلمات التي كانت جاثمة على صدره كل ذلك الوقت، في انتظار جوابها الذي ينتظره طويلًا، فتبسمت له وأخبرته أنها تلاحظ نظراته لها جيدًا، وأنها أيضًا تبادله المشاعر ذاتها ولا تكترث لأمر تلك الفوارق الذي يتحدث عنها فهي لا تريد سوى قلب يحبها فحسب، فنظر لها وهو لا يصدق ما يحدث، وأنه أخيرًا قد تحققت أمنيته التي كان ينتظرها ووجد العوض بعد معاناته المريرة، وشعر بسعادة غامرة كان يفتش عنها طويلًا وللمرة الأولى في حياته يشعر بها.
خرج من شروده وهو يراها تدخل من باب “الكافية” ومعها شخص وسيم يرتدي حلة سوداء أنيقة، وهي ترتدي فستان أزرق خلاب يزيدها جمالًا فوق جمالها، وكان بريق السعادة يشع من أعينها ويدها تتشبك في يده، فاستنتج بعد لحظات أن هذا الوغد هو خطيبها بسبب الخاتم المصنوع من الماس حول إصبعها، وأنه قد ظفر بالشيء الذي لم يكن يتمنى شيء في حياته سواه، فشعر بخيبة أمل كبيرة بأنه حين يقرر أن يفصح لها عن عشقه يجدها قد ضاعت إلى الأبد، فدفع ثمن فنجان القهوة وغادر المكان ونظر إليها النظرة الأخيرة من خلف الزجاج وكأنه هو الحائل بينه وبينها، فألقى عليها نظرة الوداع وهو يحاول بكل جهد حبس دموعه حتى لا ينكشف أمره أمامها، وما أقسى نظرات الوداع التي تمتزج بالحزن لقصة حب لم تتكلل بالنجاح كأغلب القصص التي تحدث على أرض الواقع، فكان هذا الوداع هو الرثاء لهذا العشق الذي لم يستطع أن يتخلص منه أو أن يفرغه من قلبه لكنه سعيد أنها ستتزوج من تحب ولن يكون حظها عاثر مثله، وابتعد رويدا رويدا عن المكان واختفى بعد ذلك وسط الظلام.

 

جريدة القاهرة