أخبار عاجلة

زينبانزل.. قصة قصيرة للكاتبة ناهد بدوي

ينشر الموقع الإخباري الرسمي لهيئة الكتاب قصة “زينبانزل”، للكاتبة والقاصة ناهد بدوي.

“زينبانزل”
الحمَام في بلدنا سواح، يطوف السماء طوال النهار ويرجع برجه وقت المغرب، لا يعود وحده، يرجع معه “الأفندي” بعد انتهاء عمله في السكة الحديد، يصل “الوابور” إلى المحطة مع الحمام، يطير في السماء راجعًا لبرجه والأفندي يطير راجعًا لداره وكأن الحمام يذهب لاستقباله ويعودان سويا، وأنا من وراء الشباك أطل عليه يوما وراء يوم، نفس الطقس، يخرج الفجر مع الحمام ويرجع آخر النهار معه.
حلو الطلة “الأفندي”، لكنه ما رفع عينه لأعلى أبدا، دائما عينه على الطريق، يا ليتك ياحمام تناديه، قد يرفع بصره فيلمحني فأشير له فيناديني بصوته: “زينب”. هو لا يعرفني، لكني أعرفه، وبيني وبينه كلام كثير لم أقله، وبيننا أولاد وبنات لم يأتوا بعد، الأولاد “أفندية” مثله ومثل أخي إسماعيل، والبنات ربات بيوت مثلي. يوميا أحكي له وأشكي له دون أن يسمعني، و”الست” معي تغني وتناجي في الراديو الذي أرسله إسماعيل من الغربة لأجل أن تسمع أمي صوته المعبأ في شرائط “كاسيت” فتطمئن أن بنات الغربة لم يسحرن ابنها، كيف لي أن أسحر الأفندي فيراني، وأنا المحبوسة في داري ولا أرى الدنيا إلا من وراء شباكي؟ سمعت حكاية في الراديو عن أميرة شعرها طويل كانت تقابل حبيبها بعد ما تنزل له شعرها فيطلع عليه، لو على الشعر عندي منه نهر طويل.
انتظرت الحمام يرجع وجهزت شعري كي أرميه يصطاد الأفندي بمجرد مروره تحت شباكي وعطرته بزيت هندي هدية من إسماعيل، رجع الحمام والأفندي لم يعد. غنت “الست” وقالت: وإن مر يوم من غير رؤياك ميتحسبش من عمري” والسبعة أيام يا ست؟
أسبوع والحمام يرجع وحده، حتى اليوم الثامن لمحت طيف الأفندي من بعيد، جهزت جدائلي ووقفت وراء الشباك، وقبل أن أرمي صنارتي كان الأفندي معلقًا في ذراعه بنتًا حلوة، تقول هيئتها إنها من بنات “البندر”، وفهمت من حقائبه أنه كان على سفر، رجع إلى بيت أهله ومعه أميرة غيري، يعني بنات الغربة تركت إسماعيل وخطفت الأفندي؟
رجعت شعري تحت “الإيشارب” وخزنت باقي الزيت الهندي في “شواري” وسمعت ليلى مراد تقول “مليش أمل في الدنيا دي غير إني أشوفك متهني” لكن لساني كان يودعه ويقول “حاول.. حاول تفتكرني.”