أخبار عاجلة

الدكتورة هالة حربي تكتب: بنت الشاطىء.. “على الجسر” على مدى 32 عاما

في هذا المقال نقدم قراءة فى كتاب “على الجسر بين الحياة والموت” للدكتورة عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ”.

توفى أستاذها وزوجها وحب عمرها الشيخ أمين الخولى يوم ٩ مارس ١٩٦٦، كانت متصورة- لفرط حبها وتعلقها- أنها ستلحق به سريعا وكيف لها أن تعيش حياه هو ليس بها؟! بدأت بكتابة سيرتها: “على الجسر بين الحياه والموت” انتظارا للقاء.
هى صوفية مؤمنة أنها وأمين الخولى كانا نفسا واحدة فى عالم الذر وان افترقا فى هذه الدنيا بالمكان والميلاد وأسبقية الحضور أو الرحيل.
من بعد رحيله ظلت على جسر الذكريات لإثنين وثلاثين عاما.
الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ التي عاشت بين دمياط بلد أمها وشبرابخوم عند أبيها، جمعت بين الريف والساحل، ارتبطت بالنهر وكانت كتابات الصبا باسمها المستعار بنت الشاطئ مراعاة لسطوة أبيها؛ ومن أجل أبيها كانت تنتقل بين مراحل التعليم كمحاربة تؤدى امتحاناتها خلسة حتى لا يغضب.
فى القرية حفظت القرأن الكريم وعلى شاطئ النهر مارست التأمل والخيال والعيش مع الأساطير.
لم يمنعها خوف أمها عليها من النهر أن تجلس فى السفن الشراعية الراسية بجوار بيت العائلة فى . كانت مسكونة بالعلم تستحضره فى كل حين. عملت سكرتيرة لكلية البنات وأنابت عن لبيبة أحمد لمدة ستة شهور تكتب باسمها فى مجلة النهضة النسائية، راسلت الصحف والمجلات تحت اسم بنت الشاطئ. كادت أن تفقد شغفها بالتعليم بعد عامها الجامعي الأول بكلية الآداب جامعة القاهر إلى أن حضرت لأستاذها أمين الخولي فى بداية عامها الثاني.
أخذت العهد على نفسها: اذا لم يعطها جديدا لا تعرفه ستترك الجامعة؛ فقد أمدها أبوها بمكتبة عامرة من أمهات الكتب فى الفقه والتفسير والبلاغة والصوفية فماذا سيقدم لها أمين الخولى؟! تقول عن نفسها” وازددت تشبثا ببضاعتي التي تزوت بها من مدرستي الأولى، لعلمي أنها وحدها التى فرضت وجودى على مجتمع العاصمة”، وعند أول محاضرة له اكتشفت زيف ادعائها وأنها لاتملك إلا قشورا للعلم وللمصادفة كان أول لقاء به يوم ٦ نوفمبر يوم ميلادها فكان ميلادا جديدا لها لتنهل من علم أستاذها الموسوعى وأصبح لها كل حياتها .. إلى أن توفاه الله عام ١٩٦٦ ومن يومها تنتظر على الجسر موعدا للقاء عله يكون قريبا.

انتطرت الشاعرة والأديبة وأول محاضرة فى جامعة الأزهر وأول صحفية فى الأهرام وقفت بنت الشاطئ على الجسر إلى أن وافتها المنية سنة ١٩٩٨، نزلت بنت الشاطئ إلى النهر حيث الضفة الأخرى هى من قالت فى رثاه ” عافنا الموت وعافتنا الحياة”.

وأخيرا التقيا بعد فراق وتركا لنا ميراثا علميا وأدبيا فلها أكثر من أربعين كتابا فى التفسير والفقه وتركت شعرا ومقالات عدة وتركت لنا مثلا يحتذي فى الشغف بالعلم والصبر على تحصيله ما يدهش فى سيرة بنت الشاطئ( ١٩١٣- ١٩٩٨) والشيخ أمين الخولى ابن قرية شوشاى بالمنوفية(١٨٩٥- ١٩٦٦) هو هذا الشغف بالعلم وهذا الصبر وبذل كل غال ونفيس من أجله، هذه الحقبة التاريخية التى لم نكن نملك مقدراتنا فيها كنا نبني أنفسنا من الداخل وهذا فى نظري أعظم بناء وأساس كل تقدم.

كانت حقبة الاستعمار وثورة ١٩١٩ ومعاهدة ١٩٣٦ لكن كان هناك وعي حقيقى بالذات والدور الواجب القيام به وهذا ما انتج بنت الشاطئ وابن المنوفية أمين الخولى.