أخبار عاجلة

أسامة عبد الفتاح يكتب: السحرة.. ثلاثة أجيال من مخرجى الأفلام الاستعراضية

– نيازى مصطفى وحسين فوزى وأنور وجدى وحلمى رفلة وبركات رواد بدأوا مسيرتهم فى منتصف الأربعينات.. ويوسف شاهين «عرض مستمر»

– أعمال حسن الإمام وحسين كمال وعلى رضا تضىء الستينات والسبعينات.. وشريف عرفة الأبرز فى الجيل الأحدث

إذا كانت السينما هى العالم الذى سحرنا وخلب ألبابنا صغارا، وكبارا أيضا، فلا شك أن الأفلام الاستعراضية هى الأكثر سحرا، والأكثر قدرة على تشكيل الوجدان وإثارة الخيال وصياغة الأحلام.. تذكر كم جلست فى قاعة العرض منبهرا، مشدودا إلى تلك الكائنات المضيئة التى تتراقص أمامك، متسائلا عما إذا كانوا بشرا مثلنا أم ملائكة، راغبا فى مد يدك لملامستهم، أو التسلل خلف الشاشة لمقابلتهم.

فمن هم صناع هذا السحر؟

هناك مصممو الرقصات، وكتاب الكلمات، والملحنون، والممثلون والراقصون، وفنانو التصوير والصوت والمونتاج وغيرهم، لكن أولا – وقبل كل العناصر – هناك المخرجون من أصحاب الرؤى والمشروعات، الذين قد يستغلون الإمكانيات المادية والبشرية لصناعة ما يريدون، لكنهم أيضا قد لا يتذرعون بقلة الإمكانيات للتقاعس عن تنفيذ أحلامهم طالما ظل الخيال بلا حدود.

قائمة المخرجين طويلة جدا لأن السينما المصرية ارتبطت بالغناء منذ بدايات دخول الصوت، حيث لجأت كثيرا إلى نجوم الطرب للاستفادة من جماهيريتهم، والغناء بدوره ارتبط كثيرا بالرقص والاستعراض، فضلا عن القاعدة غير المكتوبة التى تنص – ربما حتى اليوم – على ضرورة وجود أغنية ورقصة فى أى فيلم، مهما كانت نوعيته، لزيادة فرص بيعه وتوزيعه.

لدينا إذن الأفلام الغنائية والموسيقية، والأعمال التى تضيف إلى الغناء رقصة «بلدى» أو اثنتين، أو رقصة «أفرنجى» – من أداء الأجانب أو المصريين الذين يجيدون الكلاكيت والسامبا والرومبا والتانجو – لزوم التوزيع، وكلا النوعين لا أعتبره استعراضيا بالمعنى الدقيق المفهوم.. وهناك الأفلام الاستعراضية بحق، التى يقوم ببطولتها فنانون استعراضيون مثل نعيمة عاكف، أو فرقة استعراضية مثل «رضا»، أو التى يقوم بناؤها الدرامى على فكرة استعراضية حتى لو كان أبطالها غير ذلك مثل «مولد يا دنيا»، بالإضافة إلى أعمال المطربين الذين لا يكتفون بالغناء ومصاحبة الراقصات ويشتركون فى أداء استعراضات حقيقية.

بدأ معظم رموز جيل الرواد مسيرتهم فى منتصف الأربعينات، ومنهم المخرج الفذ – الذى لم يأخذ حقه من التقييم – نيازى مصطفى (1911 – 1986)، الذى كان رائدا فى الاستعراضات كما كان رائدا فى الخدع السينمائية وأفلام الحركة.. وقد صنع العديد من الأفلام الاستعراضية فى بداياته ومنها «شارع محمد على» (1944)، وظل يعمل بلا انقطاع وبكل التميز حتى النصف الثانى من الثمانينات، وتضم قائمة أعماله الاستعراضية علامات مثل «صغيرة على الحب» (1966)، وفى نفس العام قدم فيلم «30 يوم فى السجن»، الذى يفتح القوس لإضافة نوع آخر من الاستعراضات، مثل الأوبريتات، أو الاسكتشات، التى كان يقدمها ثلاثى أضواء المسرح (سمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد)، والتى لا تُعد أغنيات بالطبع وتندرج تحت بند الاستعراضات لما تحتويه من أداء حركى راقص ومنتظم للثلاثى.. وقد عملوا بطبيعة الحال مع العديد من المخرجين الآخرين فى العديد من الأفلام.

وممن لم يحصلوا على حقهم من الدراسة، المخرج حلمى رفلة (1909 – 1978)، الذى انطلق هو الآخر فى النصف الثانى من الأربعينات، وقدم أفلاما استعراضية شديدة الأهمية مثل «ليلة العيد» و«فاطمة وماريكا وراشيل» عام 1949، و«المليونير» و«الآنسة ماما» فى العام التالى، واستمر عطاؤه حتى النصف الثانى من السبعينات فى أفلام مثل «حب أحلى من الحب» (1975)، الذى أسند فيه الاستعراضات لمجموعة من الأطفال مع ممثلين لا يقدمون عادة هذه النوعية مثل نجلاء فتحى وسيد زيان ونبيلة السيد وفاروق نجيب، مرورا بأفلام أخرى تفوّق فى تنفيذ استعراضاتها مثل «ابنتى العزيزة» (1971)، فضلا عن عمله مع المطربين عبد الحليم حافظ وشادية ووردة ومحرم فؤاد فى العديد من الأفلام الغنائية.

وهناك الرائد الكبير حسين فوزى (1904 – 1962)، الذى كان معظم إنتاجه استعراضيا لأنه تعاون فى عدد كبير من أعماله (14 فيلما) مع زوجته نعيمة عاكف، وقدما سويا علامات على طريق السينما الاستعراضية، من «لهاليبو» و«العيش والملح» (1949) إلى «أحبك يا حسن» (1958).. كما عمل مع آخرين فى مسيرة طويلة من «نادوجا» (1944) إلى «ليلى بنت الشاطئ» (1959).

ومن الرواد شقيقه المخرج والمؤلف عباس كامل (1911 – 1985)، الذى شاركه فى كتابة العديد من الأعمال، وأخرج من ناحيته أفلاما استعراضية مهمة، وكانت ذروة نشاطه فى هذا المجال من أواخر الأربعينات إلى منتصف الخمسينات، حين قدم أفلاما مثل «منديل الحلو» (1949) و«فيروز هانم» (1951) و«عروسة المولد» (1954).

ولا بد من التوقف عند الرائد الكبير أنور وجدى (1904 – 1955)، الذى يمكن وصفه بـ«صانع أفلام» لأنه كان منتجا ومؤلفا ومخرجا وممثلا، متأثرا – إلى حد كبير – بشارلى شابلن العظيم، الذى أخذ عنه شخصية المتشرد فى عدد من الأفلام، وبالسينما الاستعراضية الهوليوودية التى ازدهرت فى فترة حياته. وقد أدرك أن ليلى مراد، التى كوّن معها ثنائيا شهيرا فى العديد من الأعمال، مطربة كبيرة لكنها غير مؤهلة لأداء الاستعراضات التى كان يحلم بها، فأحاطها – بعبقريته – بعشرات الراقصين والراقصات والممثلين، ولاعبى السيرك فى بعض الأحيان، وبإنتاج ظهر سخاؤه واضحا فى الملابس والإكسسوارات وغيرها، لصناعة أفلام استعراضية لا تُنسى بدءا من منتصف الأربعينات، من «ليلى بنت الفقراء» (1945) إلى «بنت الأكابر» (1953)، مرورا بعلامات مثل «قلبى دليلى» و«عنبر» و«غزل البنات»، والتى قدمها فى ثلاث سنوات متتالية من 1947 إلى 1949، و«حبيب الروح» عام 1951.

وبعبقريته أيضا، أحاط الطفلة فيروز بنفس الإمكانيات البشرية والمادية ليحولها إلى نجمة قبل أن تتجاوز السابعة عام 1950 فى فيلم «ياسمين».. صحيح أنها كانت تجيد فنون الاستعراض، لكنها كانت تحتاج إلى أصحاب خبرة وتجارب طويلة لدعمها، وتكرر الأمر فى «دهب» عام 1953، قبل أن ينهى مسيرته كمخرج بواحد من أفضل الأفلام الاستعراضية فى التاريخ المصرى، وهو «4 بنات وضابط» (1954)، والذى جمع فيه بين مواهب طفلة أخرى هى لبلبة وإمكانيات وخبرات نجمات راسخات مثل نعيمة عاكف وعواطف ورجاء يوسف.

ويبرز أخيرا فى جيل الرواد اسم الكبير بركات (1914 – 1997)، الذى انطلقت أفلامه الاستعراضية هو الآخر فى النصف الثانى من الأربعينات مع «عفريتة هانم» (1949) من بطولة فريد الأطرش، الذى تعاون معه كثيرا فيما بعد فى أعمال كان دائما تنفيذ «الاستعراض الكبير» هو منتهى أمل البطل فى نهايتها، فضلا عن أفلام اعتمدت كثيرا على الاستعراض مثل «أمير الانتقام» (1950)، وأفلام أخرى جمع فيها باقتدار بين غناء نجوم الطرب والاستعراض، وأبرزها فيلما فيروز «سفر برلك» و«بنت الحارس» (1967).

وجاء من يمكن تسميتهم بمخرجى جيل الوسط ليصنعوا أفلاما استعراضية لا تقل سحرا ولا بهاء من الستينات حتى الثمانينات، وعلى رأسهم حسن الإمام (1919 – 1988). صحيح أنه بدأ مسيرته كمخرج فى الأربعينات، لكنه انشغل طويلا بعمل الأفلام الميلودرامية، ولم يترك بصمته على الأعمال الاستعراضية إلا بدءا من الستينات فى أفلام مثل «شفيقة القبطية» (1962)، وفى العام التالى كانت الاستعراضات مهمة فى فيلمى «زقاق المدق» و«بياعة الجرايد».. ثم توالت أعماله الاستعراضية، ومن بينها فيلمان لا بد من التوقف عندهما: «إضراب الشحاتين» (1967)، وهو تجربة فريدة قائمة على الغناء والاستعراض، و«خلى بالك من زوزو» (1972)، الذى يعتبره البعض أنجح فيلم فى تاريخ السينما المصرية، حيث استمر عرضه التجارى لمدة عام كامل.

ومن «زوزو» إلى «أبى فوق الشجرة» (1969)، الذى يُعد هو الآخر من أنجح الأفلام فى التاريخ، ويضم واحدا من أهم الاستعراضات السينمائية على الإطلاق، وهو «قاضى البلاج»، بتوقيع حسين كمال (1934 – 2003)، أحد أبرز مخرجى هذا الجيل، وقد صنع العديد من الأفلام الاستعراضية الأخرى التى لا تُنسى مثل «مولد يا دنيا» (1975)، الذى أثبت – مجددا – أن الاستعراض ليس حكرا على فنانين بعينهم، بل يمكن أن يؤديه ممثلون ومطربون غير متخصصين فيه إذا حصلوا على التدريب والتوجيه المناسبيْن، مثل عفاف راضى وسعيد صالح ومحيى إسماعيل ومحمد نجم.

وفى هذه المرحلة، يبرز اسم المخرج على رضا (1924 – 1993)، الذى لم يحصل هو الآخر على ما يستحق من تقييم ودراسة، رغم أنه قدم مجموعة من الأفلام الاستعراضية التى تتباهى بها السينما المصرية، وهى أفلام فرقة رضا الثلاثة «إجازة نص السنة» (1962) و«غرام فى الكرنك» (1967) و«حرامى الورقة» (1972)، والتى تتجاوز كثيرا فكرة استغلال نجاح الفرقة سينمائيا نحو كونها أعمالا جيدة الصنع وشديدة الإمتاع تناقش أحوال الطبقة الوسطى على خلفية كوميدية لطيفة.

وهناك المخرج محمد عبد العزيز (1940 -….)، الذى اشتهر بعمل الأفلام الكوميدية، لكن له باعا طويلا أيضا فى عالم السينما الاستعراضية منذ بداياته وحتى مرحلة متأخرة من مسيرته، بأفلام مثل «فى الصيف لازم نحب» (1974) و«ألف بوسة وبوسة» (1977) و«أهلا يا كابتن» فى العام التالى و«آه وآه من شربات» (1992)، الذى تم إنتاجه لتقديم الممثلة رانيا فريد شوقى.

ثم يأتى الجيل الأحدث بقيادة المخرج شريف عرفة (1960 -….)، الذى ظهر ميله إلى السينما الاستعراضية منذ فيلمه الأول «الأقزام قادمون» (1986)، ثم عُرض له عام 1991 فيلمان من الأشهر والأهم فى تاريخ هذه النوعية، وهما «يا مهلبية يا» و«سمع هس»، خاصة الأخير، الذى تُعد الاستعراضات جزءا لا يتجزأ من نسيجه الدرامى الأساسى، وينتهى باستعراض طويل جيد الصنع يلخص الفيلم كله ويصل به إلى الذروة الدرامية المنشودة. والغريب أنه لم يعد للسينما الاستعراضية بعد ذلك واقتصر شغله – حتى اليوم – على الأفلام الكوميديا وأعمال الحركة والجاسوسية.

ومن هذا الجيل، المخرج سعيد حامد (1958 -….)، الذى تفرغ هو الآخر لصناعة الأفلام الكوميدية والاجتماعية الخفيفة رغم أنه قدم – فى عامين متتاليين – فيلمين يلعب فيهما الاستعراض دورا مهما، وهما «رشة جريئة» (2001) و«صاحب صاحبه» (2002). كما يضم ذلك الجيل «مخرجى العمل الواحد»، مثل عادل عوض، الذى قدم فيلما استعراضيا واحدا هو «كريستال» عام 1993.

وبعيدا عن تصنيف الأجيال، لا يمكن نسيان المخرج يوسف شاهين (1926 – 2008). وأستبعده من ذلك التصنيف الزمنى لأنه ظل طوال عمره يحب السينما الاستعراضية ويحاول عملها، من أفلامه الأولى مثل «بابا أمين» (1950) و«ابن النيل» (1951)، الذى يضم استعراضا مدهشا لسميحة توفيق، حتى أفلامه الأخيرة ومنها «سكوت هنصور» (2001)، وظل لسنوات طويلة يحلم بصناعة الأفلام الاستعراضية على الطريقة الهوليوودية التى انبهر بها أثناء دراسته فى الولايات المتحدة.

والحقيقة أنه لم يكن وحده، حيث ظل النموذج الهوليوودى – وسيظل – يراود كثيرا من صناع السينما المصرية طويلا.. ورغم أن الكثيرين أيضا أتقنوا صنعه، إلا أن الأقرب إلى القلب، والعقل أيضا، يظل البحث عن الهوية المصرية والتعبير عنها فى السينما الاستعراضية وفى غيرها.

فى هذا الإطار، أعتبر أفلام فرقة رضا – على سبيل المثال – من بين الأهم على الإطلاق فى هذه النوعية، حيث حملت الطابع المصرى الصميم، وضمت رقصات من عدة أقاليم تشكل معا جدارية رائعة للشخصية المصرية فى كثير من تجلياتها. حتى أنور وجدى، الذى أجاد تنفيذ الاستعراضات على النمط الغربى، يبدو أصدق وأفضل وهو يصور الاستعراضات المصرية الخالصة فى «4 بنات وضابط»، سواء داخل إصلاحية البنات (العدس الليلة) أو فى الشارع (يا أهل الحى) أو داخل بيت الأم (السعادة).

 

  • نشر في جريدة «القاهرة» عدد 1172، بتاريخ 3 يناير 2023