أخبار عاجلة

أحمد كمال باشا.. شيخ الأثريين وصاحب أول معجم للمصرية القديمة

كتب – طارق موسى:

“شيخ الأثريين المصريين” و”أول عالم آثار مصري في العصر الحديث”.. ألقاب لشخص ربما لا يعرفه الكثير في العصر الحالي، رغم أن إنجازاته في المجال الأثري تتخطى بكثير هذه الألقاب، ولم يتمكن الزمن من طمسها رغم مرور 100 عام على رحيله عام 1923، ولِمَ لا وهو صاحب معجم اللغة المصرية القديمة وهو المعجم الذي جاء في 22 مجلدًا، وجمع فيه من مفردات اللغة المصرية القديمة وما يقابلها بالعربية والفرنسية والقبطية والعبرية، وقد استغرق في إنجاز هذا المعجم 20 سنة كاملة، فضلًا عن دوره البارز في العثور على مومياوات ملوك مصر بخبيئة الدير البحري بالأقصر مع الفرنسي ماربيت ماسبيرو.. إنه “أحمد كمال باشا” عالم الآثار المصري الذي لم يغيبه الزمن.
وُلد “كمال” في 29 يونيو 1851، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة قبل أن يلتحق بالتعليم النظامي، كما حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية بالعباسية، وانتقل منها إلى التعليم الثانوي الذي مكث به عامين، قبل أن يتأهل بعدها إلى مدرسة “اللسان المصري القديم”، وهي المدرسة التي أنشأها العالم الألماني “كارل بروجش” لدراسة الآثار واللغة المصرية القديمة والقبطية والأثيوبية واللغات السامية، كما تعلم اللغات الحديثة مثل الفرنسية والألمانية والإنجليزية، وعشق دراسة التاريخ المصري القديم.
كان من المفترض أن يعمل “أحمد كمال” بعد التخرج في مصلحة الآثار، لكن خضوعها للسيطرة الأجنبية في ذلك الوقت حال دون ذلك، فعمل مدرس للغة الألمانية بإحدى مدارس القاهرة، ثم تركها وعمل مترجمًا للغة الفرنسية في وزارة المالية، وفي الوقت ذاته استمر عشقه للآثار، فسعى إلى الالتحاق بمصلحة الآثار، لكن في وظيفة “كاتب” بعد أن تظاهر بعدم معرفته بالآثار، ثم عمل بعدها مترجمًا ومعلمًا للغات القديمة بالمتحف المصري.
ولما خلت وظيفة أمين مساعد بالمتحف المصري تمكن “كمال” من الفوز بها، وكان ذلك خلال عام 1873، ليكون بذلك أول مصري يتولى هذا المنصب، الذي ظل يشغله حتى اعتزل العمل عام 1914.
كان “أحمد كمال باشا” يقوم بتدريس اللغة المصرية القديمة والحضارة القديمة في مدرسة المعلمين العليا وفي الجامعة المصرية الأهلية، كما اُختير عضوًا بالمجمع العلمي والمجمع اللغوي المصري والمجمع العلمي العربي بدمشق. أما عن النشاط العلمي لـ”كمال باشا”، فله مساهمات عظيمة في الحفائر التي أجريت في عشرات المواقع الأثرية وخاصة مدينة عين شمس ومصر الوسطى، وقام بنشر تقارير عدة عن هذه الحفائر، كما كان له دور كبير في العثور والكشف عن مومياوات الفراعنة المخبأة بالدير البحري غرب طيبة.
وبذل كمال باشا جهودًا كبيرة في عملية نقل آثار المتحف المصري وتنظيمه وتريتيبه مرتين: الأولى عندما نُقلت آثاره من بولاق إلى متحف الجيزة عام 1890،
والمرة الثانية عندما نُقلت من متحف الجيزة إلى المتحف الحالي بوسط القاهرة عام 1900.
وتبنّى “كمال باشا” دعوة إنشاء العديد من المتاحف في عواصم الأقاليم المصرية، ونجح فعلًا في إنشاء متحف في أسيوط والمنيا وطنطا، أما عن جهوده الأكاديمية: فسعى لدى الوزير أحمد حشمت باشا لإنشاء فصل دراسي لتدريس الآثار المصرية بمدرسة المعلمين الخديوية، وبالفعل أُنشئ أول فصل وتتلمذ فيه عدد ممن صاروا علماء تاريخ وآثار بعد ذلك مثل: سليم حسن وأحمد عبد الوهاب باشا ومحمود، وتم تخريج الدفعة الأولى منه عام 1912.
وحاول كمال باشا، أن يُعيّن بعض خريجي هذا الفضل في المتحف المصري، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب العراقيل التي وضعها الأجانب أمامه، ثم بعد فترة قصيرة تمكن من إلحاق ثلاثة منهم بالمتحف المصري، كما قام بإرسال ثلاثة منهم للدراسة بفرنسا وإنجلترا وهم: سليم حسن ومحمود حمزة وسامي جبرة. كما سعى لدى وزارة المعارف لإدخال دراسة الآثار المصرية في مدرسة المعلمين العليا، وبفضل جهوده تمكّن من فتح أول فصل دراسي عام 1924. ولما أُنشئت الجامعة المصرية، تقرر أن يكون من بين أقسام كلية الآداب قسم الآثار المصرية، ثم استقل بعد ذلك وصارت كلية خاصة بالآثار.
واستمر “أحمد كمال باشا” في العمل والتأليف والكتابة حتى تُوفِّي في 5 أغسطس 1923، عن عمر يناهز 72 سنة تقريبَا.
ولقد أثرى العالم الكبير المكتبة التاريخية والأثرية بالعديد من الكتب والمراجع القيمة، نذكر منها:
1- “العقد الثمين في محاسن وأخبار وبدائع آثار الأقدمين من المصريين” ويتناول فيه تاريخ مصر الفرعونية، مع التركيز على النواحي الحضارية.
2- “الفوائد البهية في قواعد اللغة الهيروغليفية” ويتناول فيه قواعد تلك اللغة وطريقة كتابتها، واتبع نفس المنهج المُتبع في قواعد اللغة العربية، ووضع في نهاية الكتاب ملحق يحتوي على قاموس صغير للكلمات الهيروغليفية ومعانيها والنطق القبطي لها.
3- “اللآلئ الدرية والنباتات والأشجار القديمة المصرية” وهو معجم للنباتات القديمة، مُرتب حسب الحروف الأبجدية، وبه أسماء النباتات باللغة الهيروغليفية ومرادافتها بالعربية والفرنسية.
4- “بغية الطالبين في علم وعوائد وصنائع وأحوال القدماء المصريين” وهو مزود بـ300 رسم توضيحي، وتناول فيه علوم قدماء المصريين من طب وفلك ورياضة ونبات وحيوان، الخ.
5- “ترويح النفس في مدينة الشمس والمعروفة الآن بعين شمس” وتناول فيه تاريخ المدينة وأسمائها القديمة ومعابدها ومعبوداتها وآثارها وأطلالها الحالية.
6- “الدر النفيس في مدينة منفيس” وهو كتاب صغير يتناول فيه تأسيس المدينة في عهد مينا وأسمائها القديمة وأقاليمها وتاريخها.
7- “الحضارة القديمة في مصر والشرق” وهو عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها في الجامعة المصرية الأهلية.
8- له كتابان باللغة الفرنسية، يدخلان في نطاق الفهرست العام للمتحف المصري الذي أشترك فيه العديد من العلماء، كما أن له نحو ستين مقالًا باللغة الفرنسية تناول فيها بحوثًا دينية ولغوية وجغرافية.
فضلًا عن “معجم اللغة المصرية القديمة” الذي يعتبر أهم مؤلفاته على الإطلاق، وهو مخطوط يقع في 22 مجلدا، ويجمع مفردات اللغة المصرية وما يقابلها بالعربية والفرنسية والقبطية والعبرية، ولقد تمت طباعته عن طريق المجلس الأعلى للآثار عام 2002 بعد جمع المخطوط من الورثة.
والفكرة الرئيسية في هذا المعجم أن هناك صلات بين اللغة المصرية القديمة واللغات السامية، خصوصًا اللغة العربية، وفي هذا المعجم قام “أحمد كمال باشا” بتتبع هذه الفكرة وتأصيلها، واستغرق العمل في هذا المعجم ما يقرب من عشرين عامًا من العمل الجاد المتواصل، ثم تقدم بهذا العمل إلى وزارة المعارف لطبعه قبل وفاته، فأحالته إلى مدير المطبوعات وكان إنجليزيًّا، الذي أحاله إلى كبير الأمناء وكان إنجليزيًّا أيضًا، وهو بدوره حوله إلى لجنة أحد أعضائها إنجليزيًّا والآخر فرنسيًّا، وكان رأي اللجنة مخيبًا للآمال، فلم تهتم الوزارة بطبعه حينها، حتى قام المجلس الأعلى للآثار بطباعته عام 2002، كما تسلمت مكتبة الإسكندرية نسخة منه.