أخبار عاجلة

ذكريات «طه حسين» في الكُتَّاب وأثرها على مشواره

كتبت – نادية البنا:

“محبة المعرفة لا تفترق عن الإيمان”.. من أشهر أقوال عميد الأدب العربي طه حسين، التي تجذّرت معانيها بوجدانه حتى أنبتت فكرًا مستنيرًا نفع أجيال متلاحقة، فقد أحب المعرفة بعدما تعلق برحلته اليومية من منزل العائلة بقرية عزبة الكيلو بمحافظة المنيا وصولًا إلى “الكُتّاب”، ليبدأ رحلة التعلق بالمعرفة وحب اللغة العربية على يد شيخه ومعلمه الأول الشيخ “عبدالمعطي الشرشيبي”.

ذكر عميد الأدب العربي طه حسين في أحد اللقاءات المسجلة أنه لم يذكر كيف بدأ حفظ القرآن الكريم ولكنه يتذكر مواقف كثيرة من حياته بالكُتّاب، منها ما ظل يُضحكه لآخر عمره وما كان يبكيه، فقد كان يذهب محمولًا على كتف أحد إخوته؛ لأن الكُتّاب كان بعيدًا وهو كان صغيرًا وضعيف البنية لا يستطيع المشي كل تلك المسافة، إلى أن كبر بعض الشيء وأصبح يذهب مترجلًا بمفرده، كما يتذكر أنه كان يجلس على الأرض بين يدي الشيخ ومن حوله طائفة من النعال كان يعبث ببعضها، وأن الشيخ كان يجلس على “دكة” من الخشب صغيرة ليست عالية وضعت على يمين الباب، بحيث يمر كل من يدخل من أمامه، وتعود الشيخ بمجرد دخوله للكُتّاب أن يخلع عباءته ويلفها لفًا يجعلها في شكل الوسادة ويضعها على يمينه ثم يخلع نعليه ويتربع على دكّته ويبدأ في نداء الأسماء.

كانت تلك المشاهد آخر ما تم تسجيله في ذاكرة طه حسين قبل أن يكُف بصره تمامًا، ولكن لم يكن عماه عقبة في طريق تعليمه، فقد تعلم العربية والحساب وتلاوة القرآن الكريم في مدة قصيرة أذهلت شيخه وأقاربه ووالده الذي كان يصحبه أحيانًا لحضور حلقات الذكر، والاستماع إلى سِير عنترة بن شداد وأبوزيد الهلالي.

ورأى مُعلم عميد الأدب العربي فيه بذرة النبوغ والتميز، فاقترح على والده إلحاقه بالأزهر الشريف لإتمام تعليمه، وبعد مشاورات وتفكير طويل وافق الأب، وسافر طه حسين من محافظة المنيا إلى القاهرة العامرة لتلقي العلم في الأزهر الشريف، ولم يغب عن باله خلال رحلته الشاقة إلى القاهرة ما تعلمه على يد شيخه، الذي زرع بداخله التدبر والتفكر، ما فتح أمامه مدارك للتنوير لم يتوقعها أحد.

الجدير بالذكر أن عميد الأدب العربي طه حسين وُلد الجمعة 15 نوفمبر 1889، في قرية الكيلو قريبة من مغاغة، إحدى مدن محافظة المنيا، وأصيب بوعكة صحية في منزله يوم السبت الموافق 27 أكتوبر 1973، وبعد أن جاء الطبيب لفحصه، زالت عنه النوبة، وعاد إلى حالته الطبيعية، وفي صباح اليوم التالي، شرب بصعوبة كبيرة، كمية صغيرة من الحليب ثم لفظ أنفاسه الأخيرة، ليضع نهاية لحياة أدبية مثمرة، استمرت لعقود كبيرة من العطاء عن عمر يناهز 84 عامًا.