أخبار عاجلة

“على هامش السيرة”.. نبراس عميد الأدب العربي لـ”أبناء اللغة”

كتب – طارق موسى:

“هذه صحف لم تُكتب للعلماء ولا للمؤرخين؛ لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى التاريخ. وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة فأثبتُها مسرعاً، ثم لم أرد بنشرها بأساً. ولعلّي رأيت في نشرها شيئاً من الخير؛ فهي ترد على الناس أطرافًا من الأدب القديم قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم فليس يقرؤها إلا أولئك الذين أُتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم. وإنك لتلتمس الذين يقرؤون ما كتب القدماء في السيرة وحديث العرب قبل الإسلام فلا تكاد تظفر بهم”.. بهذه الكلمات بدأ عميد الأدب العربي طه حسين مقدمة كتابه “على هامش السيرة”.
كان “عميد الأدب العربي” أحد الذين استهوتهم السيرة؛ فسجل ما ارتآه منها؛ راغبًا أن تكون نبراسًا لتوجيه الكثير من أبناء اللغة العربية إلى ضرورة الرجوع إليها والاستفادة منها. وقد اعترف “طه حسين” في كتابه بأنه لم يأتِ بجديد، وأن ما سجله هو فقط مجرد خواطر طرأت له أثناء القراءة، فصاغها بأسلوبه السهل الممتنع.
تتبع “عميد الأدب العربي” القصص التى حدثت أيام النبى، وألقى عليها الضوء.. القصص التى ضاعت فى بطون كتب السيرة، نظرًا لاهتمام كل كُتَّاب السيرة بالشخصية الرئيسية وهى شخصية النبى، صلى الله عليه وسلم، فى حين اهتم العميد بالشخصيات الأخرى وقام بتجميع أخبارها وربطها فى شكل حكائى قصصى، ولهذا جاء عنوان كتابه “على هامش السيرة” لا “السيرة” نفسها.
يقع الكتاب فى 3 أجزاء، الجزء الأول يعرض القصص التى دارت حول حفر بئر زمزم، وحول عبدالمطلب وأبنائه وتعامُل قريش معه، أما الجزء الثانى فخُصص لقصص الرهبان من المسيحيين واليهود، فى حين أتى الجزء الثالث ليناقش فيه العميد أمر أبى الحكم بن هشام والذى سمّاه «صريع الحسد»، بجانب العديد من القصص المكتوبة بلغة أدبية راقية عن حياة الصحابة.
يروي طه حسين في الجزء الأول من الكتاب حفر بئر زمزم والرؤيا التي كانت تتكرر على عبدالمطلب، فمَرّة يُطلب منه حفر طيبة ومرة بَرَّة ومرة المضنونة وأخيرًا يأتيه ليقول له احفر زمزم. ثم يذكر بعدها الكاتب ما لاقاه عبدالمطلب من نكران قريش عليه في أمر الطائف الذي يأتيه في المنام ليحفر بئرًا في فناء المسجد وغيرها من الأحداث.
وفي الجزء الثاني، يروي طه حسين قصص الرهبان النصارى واليهود الذين هربوا من استبداد الإمبراطور الروميّ، واتخذوا أديرةً وصوامع ليتعبدوا بها وكانوا عارفين بقرب زمان مجيء خاتم الأنبياء ويتتبعون أخباره؛ كما أن الكاتب ذكرَ أحداث زواج الرسول ﷺ من السيدة خديجة بنت خويلد، كما روى عن حادثة إعادة بناء الكعبة والحجر الأسود، الذي تنازعت عليه العشائر الأربع، وفضَّ النزاع النبي محمد.
أما في الجزء الثالث، فيبدأ بالحديث عن عمرو بن هشام (كما هو معروف بأبي الحكم أو أبي جهل)، ويعرض الكاتب سيرته وكيده وتدبيره السيئ للنبي محمد ﷺ، ثم يتحدث عن تبشير ورقة بن نوفل للسيدة خديجة بنت خويلد بأنّ تأويل ما حدث مع زوجها من بدء نزول جبريل عليه السلام بالوحي بآية “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، كما روى قصة إسلام الصحابي الشهيد مصعب بن عمير وما حدث معه في حمل راية المسلمين في موقعة أُحد، وقصة بعض من الصحابة الكرام، مثل خادم الرسول زيد بن حارثة، وغيره.
وكان طه حسين قد أتم حفظ القرآن الكريم فى عمر التاسعة، مما كان له أكبر الأثر فى تقويم لسانه وتكوين ثروته اللغوية التى جعلته صاحب أسلوب فريد من نوعه. فقد أُتيحت له قراءة ألفية ابن مالك ومجموع المتون، وتعلّم أصول التجويد قبل أن يغادر القرية مُتقنًا رواية “حفص”، وقد كان لكل هذا أثره عندما التحق بالأزهر الشريف، حيث قضى 4 سنوات من أهم مراحل تكوينه العقلى. وبعد سنوات، وتحديدًا مع بداية ثلاثينيات القرن الماضى توجَّه طه حسين للكتابات الإسلامية، ومنها “على هامش السيرة”.