أخبار عاجلة

حمدى أبو جليل: مستقبل الأدب فى كتابة السيَّر الذاتية

الواقع أسطورة أحاول أن أجعله واقعًا

– روايتى «قيام وانهيار الصاد شين» مغامرتى الأجرأ لأنها «كوكتيل لهجات»

– الصحافة مفيدة للأديب لأنه تجعله يبحث عن حلول

– حين أكتب عن المهمشين فأنا أكتب عن نفسى

– مستقبل الأدب فى كتابة السيَّر الذاتية

– من يهاجمون استخدام العامية فى الأدب متشددون

– السخرية هى عِدة الروائى والأديب لا بد أن يتمتع بحس ساخر

– مهموم بحفظ تراث الشعر البدوى لأنه يندثر بمجرد ما يقال

حوار- محمد محمود:

كاتب جيل التسعينيات، صاحب تجربة إبداعية متفردة، تميزت كتاباته بلغة مغايرة تظهر خبرات وتجارب، لا يتوقف عن إدهاشك، يكتب من أجل متعة القارئ ويشتبك معه أيضًا، جراءته فى الكتابة واقتحامه مناطق مسكوت عنها فى التاريخ، هو المثقف الذى اتهم الوسط الثقافى بأنه «تسلف»، إنه الكاتب والروائى حمدى أبو جليل، والذى فاز مؤخرًا بجائزة «بانيبال» سيف غباش للترجمة من العربية إلى الإنجليزية عن ترجمة المترجم الراحل همفرى ديفيز لروايته الصادرة فى نسختها الإنجليزية تحت عنوان «الرجال الذين ابتلعوا الشمس»، المنشورة فى نسختها عن دار «هوبو فيكشن».

«القاهرة» التقت الروائى الكبير وأجرت معه هذا الحوار، الذى تحدث فيه عن روايته الفائزة والتى وصفها بأنها «كوكتيل من اللهجات»، والمراوحة فى كتاباته بين الصحراء والمدينة ومفرداتهما، ورأيه حول مساعدة الصحافة للمبدع فى إيجاد حلول، واتهامه للرافضين للهجة العامية بـ»التسلف» (نسبةً إلى السفلية)، وكيف أن الحس الساخر إلزاميًا للروائى.

> فى البداية، ما شعورك بعد فوز روايتك بجائزة بانيبال للترجمة؟

-سعيد جدًا لأن جهود «همفرى ديفيز» العظيمة فى ترجمة هذه الرواية وجدت من يقدرها، ونادرًا هذه الأيام ما نجد أحدًا يقدر جهدًا عظيما، والحقيقة أن عظمة جهد «ديفيز» فى ترجمة روايتى «قيام وانهيار الصاد شين» ليست مبالغة، لأن هذه الرواية هى مغامرتى الأجرأ فى اللغة، أنا أرى أن هذه الرواية عبارة عن كوكتيل من اللهجات، فيها البدوية والفيومية والقاهرية والليبية، ولهجة الشباب المصرى فى إيطاليا، وكل هذه اللهجات ليست لها قاموسًا محددًا، لذلك حين تعاقدت معى الجامعة الأمريكية على الرواية، لم أحصل على أى أموال لكننى اشترطت عليهم أن يترجمها همفرى ديفيز، وذلك لأنه كان خبيرا فى الثقافة المصرية، وكان على دراية باللهجة المصرية أكثر من كثير من المصريين أنفسهم.

> ما الذى يمثله لك ترجمة أعمالك إلى اللغات الأخرى؟

-أرى أننى لم أخذ من الأدب أو المؤسسات الثقافية الرسمية فى مصر إلا القارئ والترجمة، وأعتبر الترجمة تعويضًا عن الذى حدث معى فى الوسط الثقافى المصرى، وآخرها كانت جائزة ساويرس التى أبعدوها عن روايتى «يدى الحجرية» وانتحروا بالجائزة.

> نشأت فى بيئة صحراوية، كيف استطعت المراوحة فى كتاباتك بالتعبير عن المدينة والصحراء ومفرداتهما معًا؟

-أستاذى الأول فى عالم الأدب هو الأديب الكبير محمد مستجاب، والأخير كان يؤسطر الواقع، لكننى عكس أستاذى «مستجاب» حرفيًا، أنا أرى فى الواقع أسطورة وأحاول أن أجعله واقعًا، ما أراه أمامى أسطورة لم يمكن تصديقها، وأحاول «وقعنتها» للقارئ، لذلك أخذ سنوات فى العمل حتى أستطيع نقل أسطورة الواقع إلى واقع الكتابة ومنطقها، والحقيقة أن هذا التباين فى كتاباتى بين المدينة والصحراء تسبب لى فى مشكلة، حيث إننى فى الحقيقة «اتنأرزت» (تقريظ) وكنت كمن يخرج من الثلج إلى الماء الساخن، والحقيقة أننى لم أخلص فى كتاباتى للصحراء أو للمدينة، ولكننى كنت متفردا فى الكتابة عن الاثنين.

> هل أفادتك الصحافة فى رسم شخوص وعوالم أعمالك أم أنها أثرت سلبًا على المبدع بسبب تغير الأساليب والمفردات بينها وبين اللغة الإبداعية؟

-فى الحقيقة أنا اضطريت للعمل فى الصحافة كأى مواطن مصرى، عليه أن يجد عملًا إضافيًا حتى يستطيع العيش، والصحافة كانت مهنتى الإضافية بجانب الإبداع، والأساسية من أجل كسب العيش، وفى الحقيقة أنا لا أرى أن الصحافة تقلل من الإبداع، وميزة الصحافة بالنسبة لى أنها تجعل من الأديب «يده فى العجين»، كما أنها تفتح لى مدارك وأفقا أخرى، فحين أكتب خبرًا وأبحث عن صناعة جملة مناسبة هى نفسها حين أكتب مطلع رواية، لذلك لا أفرق بين كتابة الرواية والصحافة، كما أن ميزة عملى الصحفى أيضًا أنه يجعلنى أفكر فى صناعة الجمل، لكن الرواية لا تتوقع منها شيئًا، فى الأدب يكون لديك حرية أكثر، لكن فى الصحافة تكون مضطرًا أكثر لصناعة الجمل والبحث عن الحلول، ولذلك أعتقد أنها مفيدة للأدب بشكل عام وللأديب.

> كثير من رواياتك تدور حول المهمشين، هل تجذبك هذه النماذج أم أن تجربتهم ثرية وجاذبة لأى أديب؟

-أكتب عن المهمشين لأننى أكتب عن نفسى، لم أقصد الكتابة عن المهمشين وأنا خارج المتن، والحقيقة أننى أقترح حالًا أدبيًا أمام الروائيين، وهو أن تكتب عن نفسك، مفيد أن يكتب الروائيون عن أنفسهم، لأن فى الواقع كل ما يخطر على بال أحد كتب فى الرواية، التاريخ والحياة والقضايا الاجتماعية، كلها أشياء كتبت فى الرواية واستهلكت روائيًا، ولم يعد أمام الروائى إلا أن يكتب عن نفسه، وفى الحقيقة هذا أمر صعب وليس بسيطًا، لأنه لا بد لأى كاتب حين يكتب عن نفسه أن يُسقط من داخله الآمال والضغائن، حتى تتحول شخصيتك إلى «كاركتر»، تمامًا مثل الجثة أمام الطبيب، والأهم والدرجة الأعظم فى ذلك أنك تستطيع أن تسخر من نفسك، حتى تصل إلى «الكاركتر» الذى بداخلك، ولو فسر الروائى هذه «الكاركتر» سيعبر عن الانسان فى أى مكان وزمان، والحقيقة أننى أتوقع أن الفن الروائى فى المستقبل سيتحول إلى هذا الفن، وتكون الرواية هى فن من يكتب عن نفسه، ويكون الروائى الجيد هو القادر على صياغة تجربته الشخصية.

> قدمت تجارب فى التاريخ عن الجوامع والشوارع القديمة، هل كانت محاولة لتفسير الماضى؟

-أكثر كتبى ذيوعًا فى هذا الشأن هو «القاهرة شوارع وحكايات»، وكان هذا الكتاب بداية اهتمامى بالتاريخ، وجعلنى أهتم بهذه بالكتابة فى هذه المنطقة من التاريخ، حيث وجدت أنه يمكن من خلال تاريخ الشوارع أن أكتب تاريخا للقاهرة، ومن خلال تاريخ الجوامع الأثرية أيضًا، أستطيع أن أعيد اكتشاف تاريخ جديد للقاهرة، أما كتابى «نحن ضحايا عك» فهو رؤيتى للتاريخ الإسلامى، الذى جذبنى كثيرًا بعد الثورة، لأننى اكتشفت بعد فشل ثورة 25 يناير أن الإسلاميين والجماعات المتطرفة هم العقبة أمام أى تطور قد يحدث لهذا الشعب، وحين اطلعت على التاريخ الإسلامى وجدت كوارث حقيقية، وأنا هنا لا أقول رأيى، لكن أقول ما وجدته من سيرة للقتل والخلافات السياسية، ووجدت أنه من الأفضل كتابة التاريخ كما ورد، لأن فى النهاية أى صاحب ضمير سوف ينفر من هذه الدماء وهذ القتل الذى سيجده فى صفحات التاريخ الدينى.

> يعرف عنك انحيازك للغة العامية، كيف ترى الهجوم على أى عمل يكون جزءا من سرديته عامية؟

-فى الحقيقة أننى حتى الآن لم أستطع أن أستخدم العامية تمامًا كلغة مباشرة فى روايتى، حتى فى الرواية التى أستخدمها الآن، لم أفعل ذلك، أستخدم العامية فى الحوار، وربما أضع كلمة عامية فى جملة الفصحى كى توضحها أو تضيئها، وما يقربنى من اللهجة العامية هو أننى أحب الكتابة بلهجة أشبه بلغة كلام الناس، وصرحت من قبل أننى أحاول أن أكتب كما يتكلم الناس، نظرًا لسهولة العامية وقدرتها على الإقناع، وسعادتى لا توصف حين يقول لى قارئ إنه استطاع سماعى وهو يقرأ كتابى، أما هجوم البعض على استخدام العامية فى الأدب، فهى نظرة سلفية، لا تقل عن رؤى المتشددين فى الدين، والحقيقة أننا لا ننطور إلا باستخدام اللهجة العامية، أوروبا نفسها لم تتطور إلا باستخدام اللهجات العامية فى أدبياتها، ولذلك فإننى أرى أن مستقبل الكتابة سيكون الكتابة باللهجة العامية، والحقيقة أن لهجتنا العامية لهجة راقية ولها تاريخ كبير، وما يميزها أن جميع العرب يفهمونها.

> الحس الساخر يظهر جليًا فى بعض أعمالك مثل «لصوص متقاعدون»، هل استخدامك للسخرية محاولة للتهكم على الواقع أم أنها أكثر واقعية فى التعبير عن تناقضات الحياة؟

-السخرية هى عِـدة الروائى مثل عِـدة الصنايعى تمامًا، وأعتبر أن أهم قطعة عند أى روائى هى السخرية، لذلك أندهش حين أرى كاتبًا غير ساخر، وأتساءل كيف يتجه كاتب إلى كتابة الأدب وهو غير ساخر، «ميجيل دى ثيربانتس» كان ساخرًا عظيمًا، وروايته الأشهر على الإطلاق «دون كيخوطى دى لا مانتشا» والتى قُرأت أكثر من كتاب الإنجيل، كانت قائمة على السخرية، كذلك الروائى الفرنسى العظيم «فرانسوا رابليه» اعتمد فى أعماله على السخرية، لذلك أرى أن السخرية هى «عِـدة» الروائى لأنها تسمح له برؤية الشىء ونقيضه، وتقلل من انحيازه للأشياء أو من انحيازه لأشخاص.

>صرحت من قبل أنك أردت الحفاظ على الشعر البدوى من الاندثار فى روايتك «الصاد شين».. هل ترى أن جزءا من دور الأدب هو حفظ التراث والتوثيق التاريخى؟

-الحقيقة هو هَم شخصى، لأننى مثلًا لدى شِـعر كبير جدًا، وأجيال أخرى كثيرة لديها، وهو الذى يكتب الآن، وفى وقت لاحق سيكون هذا الشعر من الفولكلور، لكن شعرنا البدوى بمجرد أن يقال يصبح فلكلورًا ولا يمكن كتابته، لأنه لن يفهم كتابًا، ربما لأنه مرتبط أكثر بأسلوب إلقاء وتعبيرات المُلقى، وكان ذلك سببًا فى أن روايتى «الصاد شين» ظللت أكتبها 10 سنوات كاملة من أجل الحفاظ على بعض من الشعر البدوى الذى حاولت أن تستوعبه الرواية، لأنه يندثر بمجرد أن يقال، ولأن شعر البدو لا توجد سياقات لحفظه ولا يوجد قواميس لغوية عنه.

*منشور بجريدة القاهرة