أخبار عاجلة

سهير القلماوي.. «نصيرة النساء» التي تأثرت بطه حسين والطهطاوي

كتبت – غادة قدري:
وقفت صامدةً في مهب الرياح، وأثبتت في زمن “الست أمينة” حينما كانت المرأة تابعة للرجل، بأن كينونتها كأنثى لن تمنعها من التأثير والبناء والمساهمة في نهضة مجتمعها، مؤكدة أن المرأة تستطيع أن تفعل الكثير، وتقدم إرثًا لا يستهان به، وتظل في الوقت نفسه “امرأة”.
هي أول سيدة تحصل على الدكتوراه من جامعة “فؤاد الأول”، القاهرة حاليًّا، وأول امرأة تحصل على تصريح بممارسة الصحافة فى مصر، وصاحبة الفضل في إقامة أول معرض دولي للكتاب بالقاهرة عام 1969.
إنها الكاتبة الكبيرة الدكتورة سهير القلماوي التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية من خلال كتابتها وحركتها النسوية المناصرة للمرأة، ولدت في القاهرة يوم 20 يوليو من عام 1911، تخرجت في الكلية الأمريكية للفتيات، عام 1928، وأصبحت أول فتاة شابة تتردد على جامعة القاهرة، وأول امرأة بين 40 رجلًا تدرس الأدب العربى.
تأثرت بأعمال طه حسين ورفاعة الطهطاوي، ما شجعها على التخصص في دراسة الأدب فيما بعد حتى حصلت على الدكتوراه من جامعة القاهرة، ثم بدأت مشوارها المهني كأول مُحاضرة في جامعة القاهرة عام 1936، وسرعان ما شقّت طريقها لتصبح أستاذة جامعية ولاحقًا رئيسة قسم اللغة العربية بين عامي 1958-1967 وكانت أول امرأة تقوم بذلك.
مساعدة طه حسين
تتلمذت “القلماوي” على يد عميد الأدب العربي طه حسين الذى كان رئيس قسم اللغة العربية ورئيس تحرير مجلة جامعة القاهرة آنذاك، حيث جعلها مساعدة رئيس التحرير فى المجلة عام 1932، وأصبحت أول امرأة تحصل على تصريح بممارسة الصحافة فى مصر، بالإضافة إلى دراساتها الأكاديمية وعملها الصحفي، حتى كُللت رحلتها بنجاحها في دخول العمل السياسي من خلال البرلمان عام 1958، ورُشحت مرة أخرى فى الفترة من 1979 حتى 1984.
تقلدت منصب رئيسة الاتحاد النسوى المصري، وأصبحت رئيسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى عام 1967 ورئيسة مجتمع ثقافة الطفل عام 1968، كما كانت رئيسة الإدارة التابعة للهيئة المصرية للكتاب، فى الفترة من 1967 إلى 1971 وكرئيسة هيئة الرقابة من 1982 إلى 1985.
أول معرض كتاب في القاهرة
لسهير القلماوي محاضرات عديدة حول الحرية، ومناهضة العنصرية، كما يرجع لها الفضل في إقامة أول معرض دولي للكتاب في القاهرة عام 1969، حيث أسند لها وزير الثقافة آنذاك، ثروت عكاشة، مهمة الإشراف على إقامة أول معرض للكتاب فعملت على توسيع نطاق القراء وتشجيع الكتاب الشباب، والنهوض بصناعة الكتب وأدب الطفل.
ويدين لها كثيرٌ من تلاميذها الرجال قبل النساء من المفكرين والكتّاب الكبار بأستاذيتها وفضلها العلمي عليهم، ويمكن أن نلمس نضالها من أجل حرية المرأة، في مثال، من خلال دراساتها في “ألف ليلة وليلة” حيثُ وجدت أن الدور الغالب للمرأة في الليالي هو دور العاشقة، فهي لا بدَّ أنْ تكون جارية، سواء أكانت ملكة أو جارية مُشتراة من السوق، وصور خيانة المرأة لزوجها من أجل الوصول لحبيبها تنتشر في الليالي. بل إنّ مقدمة الليالي نفسها بدأت بأن ضبط الملك زوجته مع أحد العبيد في الفراش.
ورصدت “القلماوي” في مقدمة الليالي، بيتين من الشعر للتأكيد على النظرة الدونية للمرأة (لاتأمننّ على النساء.. ولا تثق بعهودهن.. يورين ودًا كاذبًا.. والغدر حشو ثيابهن). والجارية (العاشقة) لا بد أن تكون جميلة. وغلاء سعر الجواري في السوق رهن بوفرة الجمال.
كل تلك الصور حفَّزت “القلماوي” لكي تثور ضد الليالي، معلنة رفضها أن تكون المرأة سلعة أو دمية، أو قطعة أثاث في حظوة الرجل، فللمرأة دور بارز في الحياة، هي الأم والمربية، وهي المعلمة والمثقفة وباستطاعتها أن تشمل بحريتها وعلمها الجميع.
مُناضلة من أجل حرية المرأة
أكدت “القلماوي” حرية المرأة استكمالًا لمشوار من سبقنها من رائدات، مثل هدى شعراوي، وصفية زغلول، وسيزا النبراوي، ودرية شفيق، وأمينة السعيد، وغيرهن، لكنها على الرغم من دفاعها القوي ضد الهيمنة الذكورية، ونضالها لانتزاع حقوق المرأة المسلوبة، لم تكن ترى غضاضة في أن تظل المرأة أنثى وأن تحتفظ بخصائصها الأنثوية، كما يحتفظ الرجل بخصائصه الذكورية، لتكون المساوة بين الاثنين في الحقوق والواجبات تجاه بعضهما البعض وتجاه المجتمع، وفي مضمار العمل.
أفكار نسوية معتدلة
“القلماوي” كانت ترى أن المرأة قوية بما يكفي لتتحمل مهمة الإنجاب والزوج والأولاد، إلى جانب دورها الاجتماعي والسياسي، في إطار حرية يضمنها لها المجتمع.
تقول الدكتورة سهير القلماوي في كتابها “مع الكتب”، الذي تستعرض فيه بعض المؤلفات المهمة: في وقتها “كنت أقرأ في كتاب طريف عن “المرأة اليوم” فاستوقفني فيه خطاب أرسلته إحدى المتحمسات للحركة النسوية الحديثة تبدي فيه وجهة نظر النساء وقد تحررن من كل القيود، تقول المراسلة: “اتضح لنا، نحن نساء نصف القرن العشرين، بعد جهاد نصف قرن أو يزيد، أننا لا نريد أن نسلك في الحياة سلوك الرجال، ذلك أننا إذا كنا حقًّا نساء، فإننا إلى حد ما نحب الثناء ونحلم دائمًا وأبدًا بالبيت الذي نربي فيه أبناءنا، بيت نطهو فيه ونغسل ونكوي، وهذا بالنسبة للمرأة الحديثة يبدو شبه مستحيل؛ لذلك نشعر بأننا لسنا أقل تعاسة من جداتنا اللاتي كن سجينات البيوت، محرومات من كل حق يتحرقن إلى أن يكن كالرجال وأن يتشبهن بهم”.
تعلق الدكتورة “القلماوي” أن المرأة الغربية نالت حقوقها، لكنها أنكرت كثيرًا من أنوثتها في سبيل ذلك، فلقد ظننا أن تشبّث بعض نسائنا بأنوثتهن تأخر وضعف، وأن القوة كل القوة وأن التقدم كل التقدم هو في الثورة على الأوضاع التي تجعل المرأة تؤدي وظيفتها الأولى في الحياة وهي الأمومة.
ثم تقول: لقد خلق الله المرأة لغاية، وخلق الرجل لغاية، وكل منهما يعمل نحو هذه الغاية، كل ما في الأمر هو اختلاف الآراء حول الحد الفاصل بين ميداني العمل، فالرجل يعمل والمرأة يجب أن تعمل في البيت، وفي خارج البيت ولكن على أن تعمل المرأة، وهي امرأة لا تدّعي لنفسها صفات الرجل ولا تتقمص شخصيته، فتضيع شخصيتها.