أخبار عاجلة

رحلة الحرف.. متى ظهرت الكتابة وكيف تطورت؟

كتب – محمد لطفي: بدأ التاريخ البشري مع ظهور الكتابة، وأصبحت الكتابة مع الوقت هي ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات التي تعيش دون اتصال بين أجناسها، ومن هنا يعد ظهور الكتابة حدثًا فاصلًا في تاريخ البشرية، حتى إن عصور ما قبل الكتابة والتدوين ما زالت مجهولة للعلماء حتى الآن، ولا نعرف شيئًا عنها إلا من خلال تحليل الصور والرسومات والرموز التي خلّفها إنسان العصر الحجري.

مع تطور حياة الإنسان الأول وتكوين المجتمعات البشرية، وجد الإنسان نفسه غير قادر على التفاهم مع الآخرين، فاهتدى إلى «اللغة» وعايش المجتمعات الأخرى، فاخترع الكتابة لحفظ إنتاجه الفكري وميراثه الثقافي والعلمي من الاندثار ولتتوارثه الأجيال اللاحقة.

ولم تظهر الكتابة في شكلها الحالي في بداية الأمر، ولكنها تطورت مع تطور الإنسان وتطور تفكيره وأدواته، ففي سنة 5000 ق.م ابتدع الإنسان الكتابة في بلاد الرافدين، مع التوسع في الزراعة وبداية ظهور المدن والمجتمعات الحضرية ورواج التجارة وظهور العربة ذات العجلة والسفن الشراعية، فيما ابتكر المصريون القدماء الكتابة الهيروغليفية 3400 قبل الميلاد، ثم اخترعوا الورق فانتشرت الكتابة.

الكتابة المسمارية

تُعرف الكتابة المسمارية بأنها نقوش معينة يتم رسمها على ألواح صلصالية مصنوعة من الطين أو الشمع أو الحجر أو المعدن، فيتم الكتابة عليها وهي طرية بآلات حادة مدببة، ثم يتم حرقها لتتصلب، وقد انتشرت لدى شعوب جنوب غرب القارة الآسيوية، ويعود تاريخ أول لوحة إلى عام 3600 قبل الميلادي.

وقد انطلقت شعلة اختراع الكتابة المسمارية لأول مرة في التاريخ البشري في بلاد الرافدين -العراق حاليًّا- على يد الشعوب السومرية، وظلت سائدة حتى القرن الأول الميلادي، وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين العربية والعبرية.

وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين (الحيثيين) في سوريا والأناضول واللغة الفارسية القديمة، وكانت تستعمل إلى نهاية القرن الأول الميلادي.

الكتابة الهيروغليفية

كلمة هيروغليفية تعني بالإغريقية نقشًا مقدسًا «sacred carving»، وظهرت الكتابة الهيروغليفية لأول مرة في مخطوط رسمي ما بين عامي 3300 ق.م و3200 ق.م، وفي هذا المخطوط استُخدمت الرموز فيه لتعبر عن أصوات أولية. وأخذت الهيروغليفية صورها من الصور الشائعة في البيئة المصرية، وكانت تضم الأعداد والأسماء وبعض السلع.

وفي عصر الفراعنة، استعملت الهيروغليفية لنقش أو زخرفة النصوص الدينية على جدران القصور والمعابد والمقابر وسطح التماثيل والألواح الحجرية المنقوشة والألواح الخشبية الملونة.

وظلت الهيروغليفية ككتابة متداولة حتى القرن الرابع الميلادي، وظهرت كنوع من الكتابة لدي قدماء المصريين، لكنها كانت مُبسطة ومختصرة، وهي مؤهلة للكتابة السريعة للخطابات والوثائق الإدارية والقانونية، وكانت هذه الوثائق تُكتب بالحبر على ورق البردي وظلت هذه اللغة سائدة بمصر حتى القرن السابع ق.م، بعدما حلت اللغة الديموطقية محلها.

الأبجدية

ظهرت الكتابة الأبجدية عن طريق الشعوب السامية الشمالية الغربية، وهي شعوب بلادي الشام وسيناء، وهي على عدة أنواع مثل «الأوغاريتية» في أوغاريت، و«الفينيقية» الخاصة بسكان شرق حوض المتوسط، و«الأبلوية» الخاصة بشعوب مملكة أيبلا شمال سوريا، و«الأنكا» الخاصة بالمكسيك.

تطور الكتابة عند العرب

كانت النقوش والآثار التي اُكتشفت في أنحاء متفرقة من بلاد العرب ، الدليل الملموس الذي ساعد المختصين على تحديد نشأة الكتابة العربية كما نعرفها الآن، فمن المتعارف عليه تاريخيًّا أن حضارة العرب الأنباط، الممتدة من البتراء في الشمال إلى مدائن صالح في الجنوب، استمدت نظام كتابتها من الآراميين.

والكتابة الآرامية العتيقة كانت أبجدية كتب بها الآراميون في الهلال الخصيب، ثم استعملتها الإمبراطورية الفارسية، فأصبحت الأكثر تداولًا في العالم القديم، وتعتبر أصلًا لكل من الأبجدية العربية (عن طريق الأبجدية النبطية) والعبرية والسريانية، التي تعد إحدى الكتابات السورية القديمة وكان يستعملها الرهبان لكتابة العربية في سورية القديمة ومحيطها، ويُطلق على هذه الكتابات الاسم (كرشوني)، كما استخدمت في كتابة الأرمينية والماليالامية في الهند.

وبدراسة هذه النقوش استطاع الباحثون المختصون من علماء الآثار واللغويات إثبات حقيقة استخدام العرب لـ«الخط النبطي» كأساس للكتابات العربية المعروفة لدينا مع إدخال التحسينات المتعددة على مر القرون، إلى أن وصل النظام الكتابي إلى ما هو عليه الآن.